أبي حيان التوحيدي

294

المقابسات

إلا ذو عاهة ؟ ولكن قد سمعنا لغات كثيرة من أهلها ، أعنى من أفاضلهم وبلغائهم ، فعلى ما ظهر لنا وخيل إلينا لم نجد لغة كالعربية ، وذلك لأنها أوسع مناهج ، وألطف مخارج ، وأعلى مدارج ، وحروفها أتم ، وأسماؤها أعظم ، ومعانيها أوغل ، ومعاريضها أشمل ، ولها هذا النحو الذي حصته منها حصة المنطق من العقل ، وهذه خاصة ما حازتها لغة على ما قرع آذاننا وصحب أذهاننا من كلام أجناس الناس ، وعلى ما ترجم لنا أيضا من ذلك ؛ ولولا أن النقص من سوس هذا العالم وتوسه لكان علم المنطق بهيئة الطبيعة بالعربية ، وكانت بسوق العربية إلى طبائع اليونانية ، فكانت المعاني طباقا للألفاظ والألفاظ طباقا للمعاني ، وحينئذ كان الكمال ينحط إليه عن كثب ، والجمال بصادفه بلا رغب ولا رهب قال أيضا : أصل الدور بعد الدور ، والكور بعد الكور ، ينسيان هذا الذي شمناه لقوم يكونون بعد ما فات العالم ، مشتاق إلى الكمال ، ومشتاق إلى الجمال ، عندهما يكون الغاية ، وإليهما تقف النهاية وقال : ومما يوضح هذا المشكل ، وبين هذا المجمل ، صورة العالم ، فكل وقت وساعة على حال لم يكن عليها قبل ذلك بما يفيض عليه ويسرى اليه من الحق الأول والوسائط الأولى بالجود الأعظم والأشمل ، وإذا كان للعالم ولكل ما فيه صورة محدودة وشكل فاضل يصير في كل وقت ولحظة إلى هيئة لم تكن عليها من قبل ، فهل ذلك إلا لأن العالم متوجه نحو الكمال والجمال ينالهما حالا فحال ؟ ثم يكون له بجود الحق الأول مبتدأ به يتحدد ويسوقه وتمتد عليه نقلته من غير انفعال بتوسط ولا نحو أمر يعرض ، وهذا المبدأ مفروض ، والا فالحال متصلة اتصال الواحد بالواحد من حيث يلحظ ما هو واحد ، واتصال الوحدة بالوحدة من حيث يلحظ ماله وحدة وقال أيضا : وهو الذي أشرنا إليه : العالم إنما هو من ناحية قبوله وانفعاله وما هو بسبيله ، وإلا فالجود الأول هو الجود الثاني ، والثاني هو الأول ،